السيد جعفر مرتضى العاملي
71
الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
النبي « صلى الله عليه وآله » وهو في مقام النبوة ، وفي حين كان أصحابه يتفانون في سبيله ، حتى ليقولون له : إنه لو أمرهم بأن يلقوا أنفسهم في البحر لفعلوا ، فإنه لا يريد أن ينفرد في اتخاذ القرار ، لأن أقل مضار ذلك هو أن لا يشعر أتباعه بأن لهم شخصيتهم وفكرهم المتميز ، فهو حين يتجاهلهم كأنه يقول لهم : إنهم لا يملكون الفكر والفهم والشعور الكافي ، وإنما هم مجرد آلة تنفيذ لا أكثر ولا أقل ، وهو فقط يملك حرية إصدار القرار ، والتفكير فيه دونهم . وطبيعي أن ينعكس ذلك على الأجيال بعده « صلى الله عليه وآله » ، فكل حاكم يأتي سوف يستبد بالقرار ، وسيقهر الناس على الانصياع لإرادته ، مهما كانت ، وذلك بحجة أن له في رسول الله « صلى الله عليه وآله » أسوة حسنة . مع أنه ليس من لوازم الحكم ، الاستبداد بالرأي ، فقد استشار النبي « صلى الله عليه وآله » - وهو معصوم - أصحابه في بدر وأحد ( 1 ) انتهى . ونزيد نحن هنا : أن ظروف وأجواء آية : * ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) * تشعر بأنه قد كان ثمة حاجة لتأليف الناس حينئذٍ ، وجلب محبتهم وثقتهم ، وإظهار العطف والليونة معهم ، وأن لا يفرض الرأي عليهم فرضاً ، رحمة لهم ، وحفاظاً على وحدتهم واجتماعهم ، ولمّ شعثهم ، وجمع كلمتهم ، وكبح جماحهم ؟ ! فالآية تقول : * ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) * ( 2 ) . فكأنه كان قد بدر من أصحابه أمر سئ يستدعي العفو عنهم واللين
--> ( 1 ) جريدة ( جمهوري إسلامي ) الفارسية عدد 30 ربيع الأول 1400 ه . ( 2 ) الآية 159 من سورة آل عمران .